بوابة كفر الشيخ الإخبارية
kfsnewsgate

عبدالبر علواني يكتب..مدارس الطين خرجت أجيالا من النابهين

0 32
  كلما دققت النظر وتأملت ما يحدث حولي الآن في العملية التعليمية، حمدت الله أني خرجت من هذه المهنة على خير، حاملا في ذاكرتي بعض المشاهدات والمواقف عن التعليم في زمننا، وزمن من سبقونا في حمل هذه الرسالة رغم قلة الإمكانات.
فكانت أغلب المدارس في بداية تأسيسها مبانٍ طينية والكثير منها مستأجرة وبالكاد تكفي فصولها الطلاب فليس بها ملاعب لمزاولة الأنشطة أو قاعات للاختبارات أو مزاولة الأنشطة الطلابية، حيث كانت تحوي إدارة المدرسة وغرفة المعلمين والفصول الدراسية بالإضافة إلى مستودع وعدد قليل من دورات المياه.
 كما كان الأثاث متواضعا جدا لا يتعدى عددا من طاولات وكراسٍ متصلة تكفي لإثنين أو ثلاثة من الطلاب، وسبورات وشيئًا قليلا من وسائل الإيضاح كالخرائط والأدوات الهندسية  ولم يكن هناك كهرباء أو أجهزة تعمل على الكهرباء فعلى سبيل المثال كان يتم تبريد الماء بواسطة (الزير) وهو إناء فخاري يصب فيه الماء ويوضع في الظل أو في فناء المدرسة فيبرد الماء ويشرب منه الطلاب جميعاً بإناء واحد يوضع على غطائه الدائري المصنوع من الخشب.
  وأذكر أنني وجيلي كانت توزع علينا وجبات مدرسية، وبات من درسوا تلك الفترة التي صاحبت توزيع الوجبات المدرسية يتذكرون طعمها الرائع، والتي كانت مصدر جذب للمدرسة رغم ما كانوا يعانونه من ضرب مبرح من قبل المعلمين عند أي خطأ أو تكاسل في الدراسة أو حل الواجبات المدرسية..
ولكن  معلمي ذلك الزمن تمكنوا من تخريج دفعات من الطلاب المتميزين الذين ارتقوا سلم الوظائف على اختلاف درجاتها، وظل هؤلاء الطلاب يكنون لمعلميهم التقدير والأحترام رغم مغادرة مقاعد الدراسة والاندماج في المجتمع فطول الزمن لم يمنع من تقديم الشكر والثناء عليهم في كل لقاء، إذ كانت الجدية تبدأ منذ الدقائق الأولى من اليوم الدراسي فلا وقت لإضاعته، فالكل يقبل على شرح الدروس ومتابعة أداء الطلاب وواجباتهم، ورغم القسوة التي كان يتصف بها الأغلبية من المعلمين إلا أن الجميع سواسية في التعامل، وهدفهم واحد وهو الأخذ بأيد الطلاب إلى نور المعرفة التي تسبقها التربية
وكان المعلم فيما مضى يتبوأ مكانة مرموقة في المجتمع وخصوصًا في القرى في بدايات التعليم لا تضاهيها مكانة فقد كان المقدم في كل شيء عند الأهالي فما من دعوة لأي مناسبة إلا ويكون المعلمون أول المدعوين إليها، وذلك عرفانًا منهم للمعلم وتقديرًا له لما يقدمه من عمل جليل، كيف لا وهو ينير عقول أبنائهم بنور المعرفة والثقافة، فقد كان المعلم حريصاً كل الحرص على الطلاب فتراه يقدم لهم التوجيه والنصح إضافة إلى التعليم بل ويتابع أداءهم المدرسي وواجباتهم في ظل تفشي الأمية بين أولياء الأمور في تلك الفترة من الزمن.
كثيرة هي المواقف التي أختزنها في ذاكرتي خلال مشواري الطويل وظلت شاهدة على مدى حبي وجيلي لهذه المهنة التي تحمل التضحية والصبر من أجل إعداد جيل من المتعلمين، ليشقوا طريقهم في الحياة مستنيرين بما تعلموه، ففي ذكرياتي وجيل الأمس من المعلمين أجد أن الكثيرين منا رغم قسوة الحياة والجدية التي تضرب أطنابها في التعامل مع الطلبة منذ دخولهم عتبات المدارس.
 إلا أننا كانت لهم بصمات واضحة في التعامل مع كافة حالات الطلاب كالطلبة اليتامى الذين كانوا بحاجة إلى مسح دمعتهم في اليوم الأول في الدراسة بل متابعتهم في جميع صفوف المرحلة الابتدائية ومحاولة تعويضهم عن حنان فقدان الأب وذلك بالتشجيع والمتابعة المستمرة، وكذلك تشجيع الطلبة الضعفاء بتقديم الدروس المجانية لهم.
 كما كان البعض من المعلمين يقدم مكافآت مالية كقطع النقود المعدنية من فئات القرش والقرشين والأربعة قروش والتي كانت لها قيمة في ذلك الوقت من الزمن الماضي منذ أكثر من نصف قرن، كما أن بعض المعلمين يعطي دروس تقوية بدون مقابل وذلك قبل بدء الطابور الصباحي بقليل حيث يحضر إلى المدرسة قبل الطابور ويعطي الطلاب الذين هم بحاجة إلى تقوية في عدد من المواد بإشراف من مدير المدرسة.
 وكنت أنا تحديدا من يفعل ذلك، كما يقوم العديد من المدرسين بتعهد الطلبة الصغار وخصوصًا في الصفوف الأولية فتراه يصلح من هندامهم ويتفقدهم أثناء الطابور الصباحي حتى إن أحدهم لينحني ليصلح رباط حذاء طفل رحمة ورأفة بهذا الطالب الصغير، لقد كان صديقي عبدالفتاح موسى جنة  من قرية برما محافظة الغربية يفعل ذلك، وكنت أغبطه وكلما تذكرته تذكرت التواضع والرحمة وكل خلال المعلم التي يجب أن نتحلى بها.

 

هكذا كان معلمونا وهكذا كنا مع طلابنا..وللحديث بقية

عبد البر علواني
قد يعجبك ايضا

اكتب تعليقك هنا

%d مدونون معجبون بهذه: