بوابة كفر الشيخ الإخبارية
kfsnewsgate

أحمد زكي شحاتة يكتب المعلمون بناة حضارة.. مصدر فخرنا ومبعث عزتنا

0 85

كان ولا يزال وسيبقى المعلمون بناة حضارة واضعو اللبنات الأولى في بناء الإنسانية وعمارة العقول، وكنا ولا نزال وسنبقى نحترم معلمينا الأفاضل وأساتذتنا الأجلاء الذين ندين لهم بالفضل، كل الفضل، في ما حققناه ونحققه على المستويين الإنساني والعملي.

علمني أبي رحمةُ الله عليه –وكان معلمًا- أن الأسرة إذا كانت خط الدفاع الأول، فإن المدرسة هي حصن الأخلاق الثاني، فمن معلمينا تلقينا الأبجدية التي هي أساس البناء اللفظي، وتلقينا الأخلاق وهي بدورها أساس البناء المعنوي، منّا من تمسّك بها، ومنّا من انهار مع أول عقبة فسقطت جُعبتُه بما فيها من تعاليمَ سامية وأخلاقٍ قويمة، لكن –في الحالين- يبقى المعلم أساسًا لكل بناء طيب، ونبراسًا يقتدي بنوره السائرون.
أكتب اليوم هذه الكلمات، بعد أن طالعت منشورًا حكوميًا يحظر ضبط أو إحضار المعلمين حالَ طلبِهِم للمثول أمام النيابة العامة في أي اتهام قد يواجهونه، وينص المنشور على حفظ هيبة المعلم وكرامته، واستدعائه بطلب حضور لئلا يُهان أو تُهدر كرامته، فتحية لمن أقرّ هذا المنشور، وألف ألف تحية لمن يلتزم بتفعيلِه.

 

الحق أقول، أنني أقرأ هذا المنشور للمرة الأولى، لكنني اكتشفت انه منشورٌ قديم، لكنه لا يدخل حيّز التنفيذ الفعلي، وللأسف الشديد، يتزامن ظهور هذا المنشور على صفحات التواصل الاجتماعي مع تداول مقطع فيديو لطلابٍ يؤدون «رقصة استهزاءٍ» داخل الفصل الدراسي، بينما تنشغل معلمتهم بكتابة الدرس على السبورة، وقبل عدة أشهر أدان المغردون في البداية معلمًا يؤدب تلميذَه بالضرب المبرح داخل الفصل الدراسي، لكن بعد التحقيق في الأمر تبيّن أن التلميذ «الفاشل» «الوقح» الذي لم يجد من يربيه، كان يسخر من معلمِه مستخدمًا عبارات وقحة تبثها الفضائيات ومواقع السوشيال ميديا لـ«نمبر وان»، فكيف لتلميذٍ يقول لمعلمِه «أديك في الجركن تركن»، وأي جيلٍ هذا؟؟!.

 

السلطات أخلت سبيل المعلم وقررت فصل الطالب، وهذا منطقي جدًا، ولعل السؤال يتبادر إلى الذهن: أي تلميذ هذا، وأي جيل هذا؟!.. جيلُنا لم يكن بهذا الشكل، نحن الجيل الذي شاهدَ أول ما عرفت قرانا التلفاز، شاهد مسرحية مدرسة المشاغبين، لكنه لم يقلدها، تعامل معها كنوعٍ من الفن ولونٍ من الترفيه لكن أن يصل الأمر للاستهتار بالمعلم، فهذا لم يحدث في جيلنا أبدًا.

 

أعودُ الآن بالذاكرة إلى ما قبل واحدٍ وثلاثين عامًا مضت، وتحديدًا في العام 1988، كنت وقتها تلميذًا بالصف الخامس الابتدائي، وكان مُعلمُ الفصل يعمل في فترة ما بعد الظهر في صيانة الأجهزة المنزلية، وعلمتُ أنه سيحضر في عصر أحد الأيام لإصلاح البوتجاز ماركة «أطلس» الذي كان والدي رحمةُ الله عليه قد اشتراه قبل عدة سنوات من شركة بيع المصنوعات المصرية.

 

كنتُ ألعبُ الكرةَ في الجرن، وفجأة لمحتُ ظلَّ الأستاذ مقبلًا، تركتُ المرمى الذي كنتُ أحرسه وهرعت هائمًا على وجهي أبحث عن شجرة أو جدارٍ يحجبني عن عيني الأستاذ، فلم أجد أمامي إلّا «شونة قش» على حافة المصرف الكبير.. هذا بالفعل ما حدث.

 

أبي –رحمة الله عليه- أرسل في طلبي كلّ صبية الحارة لكنّ أحدًا لم يقِفْ لي على أثر ولم أخرج من مخبأي إلّا بعد أن تأكدتُ أن الأستاذ أنهى مهمته وغادر، وعندما سألني الشيخُ زكي: أين كنت؟، أجبتُه بكل صراحةٍ –كأنني أفتخر- كنت مختبئًا من الأستاذ عبد الهادي لأنني كنتُ ألعب الكرة حافي القدمين وخشيت أن يراني على هذه الهيئة.. وكان هذا الموقف بمثابة «ذِلّة» كلّما اقترفتُ خطاً هددني والداي بإبلاغ المدرس.. هكذا كان ولا يزال وسيبقى أبناء جيلي.

 

وتمضي السنوات، وينتقلُ الشيخُ زكي إلى جوار الله في العام 1995، لأفاجأ بشاب يجلس في سرادق العزاء احمرت عيناه من الدموع فملتُ على أحد أعمامي أسأله عن هذا الشاب مَن يكون، فأجاب بالنفي، تركت موقعي في الصف المخصص لاستقبال العزاء واتجهت إليه قائلًا: شكر الله سعيك، مَن تكون؟ فقال: واحد من تلاميذ الشيخ.

 

كان أبناء جيلي، إذا مرّ أحدُهم بمعلمه وهو يركب أتانًا أو دراجة، ينزل فورًا حتى يجاوزه، فلا يمر عليه راكبًا قط، وهو ما وجدتني أفعله منذ عدة أشهر خلال واحدةٍ من زياراتي لقريتي، إذ صادفت معلّم اللغة العربية الأستاذ/ السعيد عوض واقفًا أمام أحد المتاجر، فطلبت من السائق أن يتوقّف ونزلت.. صافحتُه وعانقته ثم استدرت عائدًا للسيارة وأكملتُ طريقي.. هكذا كان ولا يزال وسيبقى أبناء جيلي.

 

في منتصف يوليو من العام 2016، كتبت منشورًا سياسيًا على صفحتي بموقع فيسبوك، فعلّق عليه -معترضًا- معلمي الدكتور طاهر، إذ أنه يدعم أيدلوجيا معينةً لا تتفق مع منشوري، ولأن الحدث كان مُهمًا والمنشور ساخنًا، فقد تطوّع النبلاء للمشاركة بالرد والتعليق، بينما أتابع التعليقات -من وراء ستار لئلا أرد بما لا يروقُ لمعلمي احترامًا لمكانته- وفجأة، اكتشفت أن الردود أخذت منحىً جديدًا لتتضمن تلميحات بالإساءة لمعلمي الأستاذ الدكتور طاهر، فأخذتُ قراري على الفور بحذف المنشور، وقررتُ ألّا أكتب بوستاتٍ سياسية بعد ذلك التاريخ، لأنّ أستاذي الدكتور طاهر يتبنى وجهة نظرٍ قد لا يتفق معها ثلاثةُ أرباع روّاد صفحتي.. هكذا كان ولا يزال وسيبقى أبناء جيلي.

 

وقبل عامين أو يزيد قليلا، وبينما أنتظرُ لقاء أحد أصدقائي بمدينة سيدي سالم، آويتُ إلى ركن هاديء بمقهى شعبي حالما يصل الصديق، طلبت شايًا وأشعلت سيجارة، وفجأة.. دخل مدرس التربية الرياضية الأستاذ عصام شرف الدين، وفي جزءٍ من الثانية ألقيت بسيجارتي فابتسم الرجل، وفي الجزء الثاني أسرعتُ إليه مصافحًا ومعانقًا ورأيت في عيني الرجل كلامًا كثيرًا لم يقُلْه، سألني عن حالي وعيالي وأعمالي، ولكَم كنتُ فخورًا عندما قال لي: أتابُعك على الشاشات يا أبا مريم.. هكذا كان ولا يزال وسيبقى أبناء جيلي.

 

وحدث قبل عدة سنوات، أن كنت محرِرَ ديسكٍ بواحدةٍ من كبريات الصحف المصرية، وجاءت نوبتي الأسبوعية للعمل على أخبار المحافظات، وكنّا –كمحرري الديسك المركزي- نتقاسم العمل كـ «نوبتجيات» في ديسك. المحافظات، وغالبًا ما يكون اليوم الأول للعودة من الإجازة الأسبوعية، لأن العمل باخبار المحافظات مرهقٌ جدًا لمحرري الديسك، إذ عادة ما يسابق مراسلُ المحافظة الزمنَ ليحظى بالسبق في إرسال الخبر إلى جريدته قبل غيره، فتسقط منه أحرفٌ أو كلمات وأحيانًا جملٌ كاملة قد تخل بمضمون الخبر، وهو ما يحتاج جهدًا زائدًا من محرر الديسك الذي يتحوّل إلى مدرس رياضيات يجمع الأحرف ويضرب السطور ثم يقسم الجُمَل ليخرج في النهاية بالخبر مضبوطًا، لذلك يكون من الصعب على محرر ديسك واحد العمل بشكل دائم في قسم المحافظات، فنقسمها إلى نوباتٍ أسبوعية، حدث أن كنتُ مكلفًا بالعمل في ديسك المحافظات، ثم فوجئت بخبر إحالة مدير واحدةٍ من المصالحِ الحكومية للتحقيق في إهداره المال العام، وعندما قرأت الاسم تملّكني همٌ كبير، إنّ هذا الرجلَ كان يومًا معلمّي، فكيف أسمحُ لأصابعي أن تنشر خبرَ إدانتِه بهذا الشكل، وقعتُ في «حيص بيص»، إمّا أن أُعطي العملَ حقَّه وأنشرُ الخبر، أو أن أرضخَ لعاطفتي وأتجاهل الموضوع، لكن في هذه الحالة سيتصل المراسل بإدارة الصحيفة مستفسرًا عن سبب عدم النشر، وهذا حقُه، فالرجل اجتهد وصاغ الخبر وأرسلَه.

 

 اخترتُ زميلًا مقربًا وصارحتُه بالأمر متسائلًا ماذا أفعل، فأشار عليّ بأن أنشرَ الخبر بالأحرفِ الأولى من اسم المعلم دون التصريح باسمه كاملًا، لكنّ فكرةً شقيةً خطرت بذهني وقتها، أدخلتها فورًا حيّزَ التنفيذ، إذ أخّرتُ نشرَ الخبرِ قرابةَ الساعتين، ثم أعدته لزميلنا المراسل مرفقًا بملاحظة: «الخبر ينقصه الاستشهاد برقم المحضر»، وفي المساء تحدثت عبر الهاتف إلى زميلنا في المحافظة، وصارحتُه بالأمر، ورجوتثه أن يتجاهلَ أي أخبارٍ تدين معلّمي هذا، وبعد أكثر من أسبوعين، نُشر خبر إقالة معلمي من منصبه مع رقم المحضر وتفاصيل القضية لكن في نوبة «نوبتجية» زميلٍ ثانٍ.

قد يعجبك ايضا

اكتب تعليقك هنا

%d مدونون معجبون بهذه: