بوابة كفر الشيخ الإخبارية
kfsnewsgate

أحمد زكي شحاتة يكتب: مَن يرفع «العربية» ويُسقط «المدعين»؟!

0 28
«أنا البحر في أحشائه الدر كامن.. فهل ساءلوا الغواص عن صدفاتي»، بيت من قصيدة لشاعر النيل حافظ إبراهيم، لطالما اقترن بالصوت الدافئ للشاعر والإذاعي فاروق شوشة، الذي رحل عن عالمنا قبل ثلاثة أعوام، إذ كان يستهل بها حلقات برنامجه «لغتنا الجميلة»، فيلتف المثقفون والعامة، حول المذياع ينصتون علّهم يضيفون مفردة جديدة إلى قاموسهم اللغوي أو يعطرون وجدانهم بأبيات شعرية، كان الراحل دقيقًا في اختيارها، مقدمًا في كل حلقة شاعرًا متحققًا.
 
والحقيقة، أن قضية اللغة، لا يُشغَل بها -كما ينبغي- إلا المخلصون لحمل رايتها والنهوض بها، والمؤمنون بأنها المقوم الأصيل من مقومات الهوية، ولكن –للأسف الشديد- نجد فئة كان الأولى بها الارتقاء باللغة ونشر ثقافة التمسك بها هم أكثر الناس تفريطًا في حقها وإهدارًا لمستحقها.
 
أحدُهم، هبط بمظلةٍ خفية مسؤولًا للإعلامِ في كيانٍ لغوي وإبداعيٍ عريق عريق عريق، لا يستطيع التفريق بين ألف الوصل وهمزة القطع، ويصرّ عددٌ من حمَلة المباخر على التصفيق له في كل مناسبةٍ أو غير مناسبةٍ، أملًا في أن يطالَهم جانب من عطاياه «المملحة» التي يحرص على توزيعها في مناسبة سنويةٍ معروفة.
 
بعضهم، منحهم العالم الافتراضي أدوار مسؤولين على مواقع التواصل الاجتماعي عن لجنة مهمتها صَون لغتنا الجميلة، يرفعون المنصوب وينصبون المجرور ويحركون الساكن، دون درايةٍ أو حتى رغبة في المعرفة.
 
لا أدّعي أنني أعرف كلّ أسرار لغتنا الجميلة، لكنني أعرف كيف أسأل أهل اللغة إذا حزبني أمرٌ فيها.
 
صديق محترم، نادي كثيرًا بضرورة تعيين مدقق لغوي بكل مصلحة حكومية لمراجعة المكاتبات والمراسلات وحتى اللافتات لا بد أن يطّلع عليها قبل أن يراها الناس، دون جدوى.
 
أحدهم، الحاصل على دكتوراه في جماليات اللغة، كتب على صفحته بموقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، ما نصه «الزكرة الثانويه لوفاة زوجتى»، بينما تبارى تلاميذه ومريدوه وزملاؤه ومخالطوه في كتابة تعليقات تحمل عبارات المواساة في فقيدته الغالية، ولو أنصفوا لقدموا العزاء في اللغة لا في زوجة مَن عيّنته الجامعةُ حارسًا للغة.
 
في يومها العالمي، أقول إن المجتمع بأسره مسؤول عن تدهور اللغة العربية، وفي الصدر منه تأتي الكيانات والمؤسسات المعنية بالشان اللغوي، التي صارت أشبه بالجزر المنعزلة، وكأنّ تضافر جهود هذه الكيانات صار واحدًا من المستحيلات، تمامًا كالغول والعنقاء والخل الوفي.
 
اللغةُ هُوية، والهوية أساس، ولا بناءَ بغير أساس، فإذا أردنا أن نشيدَ طابقًا جديدًا في بناية تاريخنا فلنؤسسه على قواعدَ لغويةٍ سليمة ولنسلّح جدرانَه بأبجديةٍ عربيةٍ خالصة، لا شوائب فيها من «فرانكو» أو «مودرن»، وكلّما رفَعنا الجدارَ ذراعًا لفظنا أسقطنا ألفَ مدّعٍ دخيل.
قد يعجبك ايضا

اكتب تعليقك هنا

%d مدونون معجبون بهذه: