بوابة كفر الشيخ الإخبارية
kfsnewsgate

أحمد زكي شحاتة يكتب: «البليلة» و«السد».. وبينهما أمور مشتبهات

0 66
«اتساعُ الفجوةِ يعادلُ المسافةَ بين “عَدَّى النهار” وأغاني “الجركن”، وعُمقُ الهُوة يوازي الفارقَ بين “منين بيجي الشجن” و”آه لو لعبت يازهر”…»، كانت هذه إجابتي عن سؤال إحدى المذيعات في لقاء تلفزيوني منذ عدة سنوات نصّه: كيف ترى الساحةَ الإبداعية بعد رحيل الأبنودي وسيد حجاب؟!.. تذكرتُ اليوم هذه العبارة، وأنا أطالعُ استغراقَ رواد مواقع التواصل الاجتماعي في إعادةِ نشر تصريحات رئيس نادٍ رياضي يتهم السحرة بالكيد لفريقه الأول وإلحاق الهزيمة به، وبين سيل النكات والسخرية من ناديه ومشجعيه والربط بينهم وبين وجبة شعبية لذيذة، ولا أعلم سرّ الربط بين مشجعي نادٍ يترأسه شخص سخيف وبين “البليلة” اللذيذة الغنية بالطاقة.
 
وبين هذا وذاك تحلّ ذكرى إقامة أكبر سد بالعالم -في وقته – لم ينتبه إليها أحد، ففي العام 1899 فكّر خديوِي مصر عباس حلمي الثاني، في حماية الدلتا من الفيضان الجارف الذي يدمّر الزراعات ثم تعقبه فترة «التحاريق» فيقع المزارعون في «حيص بيص»، فجمع الخديوي مستشاريه وخلصاءَه.. بحثوا الأمر من الجوانب كافة، ليستقر الرأي على إقامة «خزان أسوان» على بُعد 946 من القناطر الخيرية التي شيّدها جدُّه محمد علي عام 1848.
 
سبعُ سنواتٍ كاملة، قضاها العمال والمهندسون في إقامة السد الذي عدُّوه –وقتها- الأضخم من نوعه حول العالم، ويكتمل “البناء/ الحلم” في 1906، ثم يستغرق ملءُ الخزان ستَّ سنواتٍ أخرى، ليفتتحه الخديوي في الثالث والعشرين من ديسمبر عام 1912 ويبدأ تنظيم جريان الماء في قلب شريان مصر الأوحد.
 
والحقيقة، أن عباس حلمي استعان بخبراء ومتخصصين واتكّأ على دراسات مستفيضة وقتها، ليتغلب على الخوف الذي وقر في ذهن الجميع على مدار 900 عام، منذ تراجع عالم الرياضيات العربي الأعظم الحسن بن الهيثم عن البدء في مشروع مماثل.
وكان ابن الهيثم، العالم الموسوعي، عراقي المولد مصري الهوى، عرض على الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله إقامة سدٍ في أسوان ينظم جريان الماء في النهر، وأُعجب الخليفة بالفكرة وأمر بتوفير كل الإمكانيات ووضع الجميع تحت تصرّف العالم الجليل، الذي ما لبث أن اصطدم باستحالة تنفيذ فكرته.
 
 واعتقد –وقتها- أن بونًا شاسعًا وفارقًا كبيرًا بين التصور النظري –ولو كان مثاليًا- وبين التنفيذ الواقعي –ولو كان سهلًا يسيرًا- فلم يجد مناصًا من اتقاء بطش الخليفة سوى ادّعاء الجنون، ليصدر الفرمان بفرض الإقامة الجبرية على العالِم، والتزم دارَه لا يغادرها حتى وفاة الخليفة «الحاكم بأمر الله» المنصور بن العزيز بالله نزار بن المعز لدين الله معد بن المنصور إسماعيل بن القائم بأمر الله محمد بن عبيد الله المهدي، في العام 1921، ليخرج مجددًا إلى أبحاثه وكتبه.
 

 

الحقيقة التي أودّ لفت الانتباه إليها، أن تناسي التاريخ يزيح الحاضر ويغلّف المستقبل بمشهدٍ ضبابيٍ فلا يكاد يبين، وأنّ استذكار “الماضي/التاريخ”، واستخلاص الدروس المستفادة يجعل الحاضر باسمًا والمستقبل مشرقًا، فعودوا إلى ماضيكم يرحمكم ربكم ويوقّركم أحفادُكم.. ولنردد جميعًا مع الحسن بن الهيثم «رُبّ مَـيّتٍ قـَدْ صَارَ بِالعِـلمِ حَـيَّـا ومُـبَـقًى قـدْ مَـاتَ جَهـلاً وَغَـــيَّـا فاقتَنُـوا العِلمَ كَيْ تَنَـالُوا خُلـودَا لاَ تَعدُوا الحَيَاةُ فِي الجَهْل شَيْئَـا».
قد يعجبك ايضا

اكتب تعليقك هنا

%d مدونون معجبون بهذه: